قراءة أدبية نقدية في نص / رَسائِلُ عَبْرَ الأثيرِ / للشاعرة نيلي مرجانة… بقلم أيمن قدره دانيال | سوريا
تتحرك القصيدة في فضاء ثنائي القطب، يتجاذبه مركزا: (الوطن/الذاكرة الحلمية) و(الغربة/الواقع المأزوم) الشاعرة هنا لا تكتب مجرد حنين، بل تمارس "استدعاءً طقسيًّا" للماضي كآلية دفاع نفسية ضد تفتت الحاضر في المغترب، يبدأ النص برغبة واعية في التطهير وعبر حركة جيولوجية في الذاكرة (العبور إلى حدائق الطفولة)، حيث يتحول الوطن من حيز جغرافي إلى "حالة شعورية" و"موعظة وجودية" غير أن الموضوع يتطور دراميًا، فالصباحات الدافئة ورائحة الهال وكعك الأم، وعفوية الجارات كلها تجمعات بشرية وإنسانية كانت تمثل "المركز الأخلاقي والأمان النفسي" للشاعرة، ليأتي النصف الثاني من القصيدة صدمةً واستفاقة على انحلال هذا المركز، حيث تحول الحلم إلى قهر، والشباب إلى مغيبين في زنازين الغربة، والمنظومة القيمية إلى شتات (أطفال بلا عبّاد، ضياع الهوية) لتصبح الموضوعة الأساسية هي: عجز الذات عن التواؤم مع مشهد مشوه بديل للمشهد الأصل، اعتمدت القصيدة على معمارية السيناريو السينمائي (مونتاج القطع الحاد) تبني الشاعرة مشهدًا دافئًا مكتنزًا بالحياة (حركة الأيدي نحو كعك اليانسون، غزْل المرايا، الحكايات الصباحية)، ثم فجأة يسدل الهدوء الستار لتستيقظ على "غربة المشهد" هذا الانتقال الفجائي هو محاكاة فنية دقيقة لصدمة الوعي عندما يصطدم بالواقع بعد غيبوبة حلم لملء الفراغ الروحي، تميز النص بقدرة فائقة على تفعيل الحواس الخمس لإنتاج المعنى، فالقهوة والياسمين (حاسة الشم/الذوق) تحولا من تفاصيل يومية إلى "أيقونات صمود ثقافي" وكعك الشمر واليانسون ليس مجرد طعام بل هو "رحم الطمأنينة" الذي يلم الشمل، إنها سينماتوغرافيا أدبية تعيد بعث الرماد حيًا، استخدام مفردات مثل (تتلو مزاميرها، كالوحي، أقانيم الهوى) يضفي على الوطن مسحة قدسية، فالوطن هنا ليس ترابًا، بل هو "دين الشاعرة الروحي" الذي ترتل له المزامير، مما رفع النبرة من شكوى ذاتية إلى رثاء جماعي مقدس، تُعد القصيدة وثيقة إدانة سوسيولوجية للتحولات الحادة التي طرأت على البنية المشرقية أو العربية بفعل الحروب والتهجير، تكشف الأسطر الأخيرة عن "تخلخل العقد الاجتماعي والأخلاقي" للوطن الأم، عندما تقول: "صبية تحمل ابنًا لا تعرف لأبيه هويةً" و"أطفال من غير عبّاد"، فإنها ترصد ثقافيًا لحظة انهيار "المدينة الفاضلة" التي تأسست في مخيلتها الطفولية، إنها صرخة المثقف الذي يرى البنية التحتية للقيم تنهار وتتحلل تحت وطأة (الضرورة التي لها أحكام)، حيث يتحول الياسمين الدمشقي أو المشرقي الأليف إلى مجرد ذكرى مطوقة بالضباب والمرار، أيتها الشاعرة الممسكة بجمار الحرف إن قصيدتكِ ليست مجرد رثاء لوطن مفقود، بل هي "محاكمة فلسفية للزمن" عبر الذاكرة ما أدهشني وأبهرني في نصكِ هو هذا التوازن المذهل والنادر بين "الرقة المتناهية" في النصف الأول، و"القسوة التشريحية الصارمة" في النصف الثاني، لم تسقطي في فخ البكائية التقليدية المستسلمة، بل جعلتِ من الذاكرة "أداة مقاومة"، أنتِ لا تستحضرين الماضي لتبكي عليه، بل لـ "تديني به الحاضر" لقد نجحتِ في جعل (الوطن) كائنًا جوانيًا مستقلاً عن الجغرافيا، فحين يغزوكِ الضباب، وتشتد زنازين الغربة، تلوذين بالداخل، لينتصر في النهاية "الوطن الذي يسكنكِ" على "المنفى الذي تسكنينه"، العمق الفني الأجمل يتجلى في سطرِك البليغ: "وصار لهيبُ الشوقِ يلبدُ ألسنةَ العشقِ في موعظتي" هنا تتحول الذات الشاعرة من دور الضحية الباكية إلى دور "النبي" أو "الواعظ" الذي يرى المأساة بعين الحكمة الشاملة، لقد كتبتِ نصًا يعيش في العباب، ويمتلك مرونة البقاء، لأنه ببساطة لا يبكي حجرًا تهدم، بل يبكي إنسانًا تشوه، وهذه هي ذروة الإنسانية في الأدب الرفيع، نصكِ هندسة بارعة بين الروح والمادة، وصوتكِ سيبقى مسموعًا عبر الأثير لأنه صادر من منطقة الصدق المطلق.
أيُّها العابرون إلى حدائق طفولتي
القادمون
السائحون
هل تَسمعونَ صَدَى أَنفاسِي؟
يَهيمُ رُوحًا بين أضلاع المدينة
كأسرابِ طيورٍ عادتْ بعدَ طولِ غيابٍ
تنثرني ذاكرة الشتاء
تتلو مزاميرها
بين أطيافِ الحنين
ونوافذ الهجران
...
كريح يقتحم الزحام
رِفقًا بياسمينِها الغافي على الأسوارِ
يهدهد حباتِ الكرزِ
يغفو بين عرائشِ العنبِ
موائدُ السمارِ
يعتق فيها أسارير اللقاء
رِفقًا بمنازلَ لم يَتبقَ من صورها
سوى رسائلَ مَخطوطةٍ
على أسوار المدينة
سكنت خيالاتنا
كالوحي
يحط انى شاء
بلا استئذان
آه يا وَطَني
غابَ حضورِي عنك
ولم يَغبْ عني حضورُ الأحبابِ
أكلتني الغربة
رمتني اشلاء ذاكرة
وصار لهيبُ الشوقِ
يلبدُ ألسنةَ العشقِ
في موعظتي
هفت إليٌ ملامح العمر
حملتني كنجمَةٍ شاردةٍ على الطُّرُقاتِ
وقفتُ عند أصيصِ الفلِّ
يومي للقادم
بالتهلالِ والترحابِ
ونسيمُ الهالِ يغدقُ من عند الخالةِ عفاف
تناديني: "تعالي إليَّ بسرعةٍ"
فقد جهزت إبريقَ قهوتي
وجمعت لك ياسمينِا
في ليلة الأمس استراح
تعالي لنبدأ مراسم الصباح!"
أعبرُ والنسيمُ يدورُ حميما
بينَ الأبوابِ المفتوحةِ
بلا رقيبٍ أو رهابٍ
أقولُ لجارتي:
"هاتِ حدثينا عن خبايا القلب أخبارا"
ترشفُ رشفةً طويلةً
ويبدأ سيلُ الحكاياتِ
قصصِ يعزٌ بها الزمان
وعرج على حال الأبناءِ
هذا يحنو منكَبًا على صحبةِ العلمِ
وذاك يهمُّ للعملِ من باكورةِ الصباحِ
تلك تدور في رحى الكتبِ
تبتغي قممَ العلا
والأخرى تهوى صحبةَ المرايا
عيناها تغزلُ أقانيمَ الهوى
لا تحفظُ للعلم مقامً
تتنهدٌ في حيرةٍ
ألمحُ أمي تسارعنا
تحملُ الكعكَ المغطّى باليانسونِ والشمٌرِ
تبدأ الأيادي تخطف القطع متلاحقةً
هدوءٌ يكشف الستار
تتوارى نجمةُ الصباحِ
وأصحو على غربة المشهدِ
ها هي رشا قد طالَ عليها الحلمُ
وطار الحمامُ
شباب سباهم الزمان
في زنازين الغربة بلا افتقادٍ
صبية تحملُ ابنًا لا تعرف لأبيه هويةً
وأخرى دثرَتها الأكفانُ في ليلةٍ غدر قاهرة
كيف أرتشف
كل هذا المرارَ
تحرقني خمرة هذا الصباح
صار في بلدي أطفالٌ من غير عبّادٍ
يقولون للضرورةِ أحكامًا
بمن أستنير ...يغزوني الضباب
وهذه الأحمالُ العصيةُ
لم تترك لنا مراح
هل أبقى في غوصِ الحلمِ
أم أنتشي لحالي في الغيابِ؟
آه لوطنٍ يسكنني
يأخذني إليه
مهما كانت خطواتي
بعيدة
وجولاتي
تصول في العباب

ليست هناك تعليقات
مرحبا بكم في الموقع الإعلامي للمنتدى الثقافي الدولي شكرا لتواصلكم معنا ولمشاركتكم الفاعلة
Welcome to the media site of the International Cultural Forum. Thank you for contacting us and for your active participation