اخر الاخبار

آخر الأخبار

رحلة الى الله (2 ).. كتب: محمد صوالحة بقلمه




رحت أتأمل الرحلة منذ أن انطلقت حتى تلك اللحظة ... فقط أريد أن اصل إلى ارض الله.... بيت الله ... أريد أن أتعرف عليه ... أريد أن أراه ... لم أر من الطريق شيئاً إلا ما كان يسمح لي به نور الحافلة .
معان ... نحن الآن في معان ... وهنا لا بد للذاكرة أن تقف  لا بل أن تعود إلى الوراء كثيرا إلى تاريخ زاهر مازالت ملامحه واضحة جلية تسقط كل الأقنعة عمن يدعون أن هذه الأرض ما كانت إلا مع تأسيس الأمارة ،  كيف ؟،  وهنا كانت الدولة الأقوى في تاريخ المنطقة ... هنا المكان الآمن لكل الخائفين منذ فجر التاريخ حتى يومنا ... هنا عاصمة الصحراء ... هنا تأسست وقامت دولة العرب الأولى ... هنا كان النظام الذي يسير عليه كل أفراد المجتمع هنا كانت دولة الأنباط التي أهدت العالم الفن الحقيقي والدائم .
 من هنا خرجت الجيوش التي طهرت الأرض من عسكر روما ... هنا توحدت قبائل المنطقة في نظام شامل ... هنا ولد الحارث الأول والثاني والثالث والرابع ... إلى هنا لجأت ابنة الفرعون لتحتمي من خوفها وأُسس لها قصر ما زال يسمى باسمها "قصر البنت " هنا كان مستودع الذهب والفضة لكل الدول المجاورة إذا هنا كان الأمان ... ومن هذه المنطقة مر رسول رسول الله حامل رسالته لهرقل عظيم الروم  حيث كان لاعتراضه من قبل الغساسنة واستشهاده عل ايديهم السبب في موقعة مؤتة الخالدة حيث منها بزغ نور الدولة الأهم عبر القرون الآتية  وهنا تأسست مملكتي الحديثة ... وهنا كانت تزرع بذرة الجيش العربي الذي أنا الآن احد منتسبيه وأُفاخر الدنيا بانتسابي إليه هنا التاريخ ومن هنا عاد الراعي ليؤسس دولة أعداء الإنسانية ، أعداء الله ورسله ... وفي ديرتي كانت العدالة وكان شعيب ... لماذا تنهال الذاكرة وينساب التاريخ بهذه السرعة في ذاكرتي؟ فقط لأنني وصلت معان ... معان حاضرة الصحراء وسيف يحمي خاصرة المدنية ... معان أم التاريخ حاضنة الثورة العربية التي لو قُدر لها أن ينجح هدفها لكانت امتنا على غير ما هي عليه الآن ... معان تقترن برم والعقبة ... ترتبط بمدين والأغوار ... معان وثيقة الصلة بالكرك ومؤتة والطفيلة ... مدين وسدوم وحشبون ومادبا  وأورشليم، كلهن شقائق لمعان .
 احتسي فنجانا من الشاي وأشعل سيجارة لعلي افر من ذاكرتي التي ازدحمت بالعناوين ، عناوين كثيرة أخرها من هنا والطفيلة، من تجمع البادية ، بادية الغر الميامين .. المُحلقين ببداوتهم إلى ذرى المجد  ،  هنا صدر البيان الأول الذي رُفض به وعد بلفور ومن هنا كان ينطلق جيش الثوار لتحريرِ فلسطين ومن هنا كانت تصدر الأسلحة والذخائر للمقاومة الفلسطينية , معان أه يا أم المدن وأم التاريخ ... يا أم الرجال الذين ما حنثوا عهدا ولا سكتوا عل ضيم .
 بقيتُ على هذه الحال شارد الذهن ، ابتسم حينا... واسقط في فخ الدمعة حينا آخر ، حتى أخرجني أبو يونس من عالم التاريخ وأدخلني بوابة الواقع بقوله:  محمد نحن الآن في المدورة ، هيا لنتمم المعاملات للركاب وننجزها ، لنتابع مسيرنا نحو الديار المقدسة ، تركته  وكأني لم أسمعه وسرت باتجاه الشرق ... لا ادري عما أبحث ، كل ما أراه في الهزيع الأخير من الليل هو رمال أحسها تغوص في باطن قدمي لا بل تحتضن قدمي وكأني اعلم بأنها تعرف إنني من أبناء طينتها ولكني لا اعرفها لم اشعر ببرودة الرمل او الصحراء كما تعلمنا ، ولكني كنت أحس والرمل يحتضن قدمي بأن دفء العالم يلفني ، دفء العالم انطلق من هنا .
أحلام ورؤى تكثفت أمام ناظري  وسؤال فاجأني أين حكومتنا من هذه الأرض ؟ كيف نسيتها ؟ وبإمكانها أن تحولها إلى جنة غناء ، ولم يوقظني من أحلامي ومن جلد السؤال لنفسي إلا نداء أبو يونس وصراخ أمي التي تنادي وكأنها لن تراني بعد هذه اللحظة ... اقل من عشر دقائق ووصلت إليهم وفاجأني أبو يونس بكلمات لا ادري من أين أتى بها ... يا بني نحن في طريق طويل و لا يلزمنا مجانين لأنهم قد يعطلوننا عن مسيرنا ويقتلون الوقت بأشياء مجنونة ... نظرت إليه مبتسما وكان رد أمي  قد سبقني لأنها لا تحتاج إلى تحضير كلمات كما احتاج ... لا تحتاج إلى قاموس تبحث فيه عن كلمة لترد بها وتوصل ما تريد قوله .. قالت : وهل لذة العيش إلا للمجانين ... ليتنا كلنا نحمل ما يحمل من جنون ... أبدا لا يضيع منه الوقت إلا في البحث والتأمل ومع ذلك فهو في مدرسته لا يصنف مع المتفوقين لا ولا يقترب منهم همه الحصول على علامة النجاح ليرضيني ويرضي أبيه "هيك خلقه ربه شو نسوي إحنا " وهنا حلت المشكلة الثانية ، حيث لم يُسمح لحافلتنا بالمغادرة إلا بعد أن يثبت على تأشيرات الدخول رقم الحافلة الجديدة " يعني وقت طويل للمكوث في هذه الأرض ... وقت لا يقل عن عشر ساعات ذهابا وإيابا يعني الليل القادم سيكون وقت مغادرتنا هذه الرمال المجبولة بكل القيم الإنسانية التي خلق منها الإنسان الأردني ... عشر ساعات وقت ليس بالقصير أستطيع أن اسرق نصفه واغرق في بحر من الأحلام التي قد أكتشف فيها ما لم اكتشفه في صحوي ، ذهبت إلى المسجد .. تمددت على أرضيته ، أشعلت سيجارة ما قبل النوم، فاحتج احد الملتحين ، حرام عليك يا بني هذا مكان طاهر ، حرام أن تدنسه بالدخان ... نظرت إليه مبتسماً ، يا سيدي أي حرام هذا الذي تتحدثون عنه ؟ إذا فوجود الرجال والنساء في مكان واحد اكبر إثما من دخان سيجارتي أليس كذلك ؟!!  الاستماع والاستمتاع بضحكات الصبايا في المسجد أكثر حرمة مما افعل !!! فلندع الحديث بهذا وليقضي كل منا حاجته ... وسلمت عيوني لملك النوم .

ليست هناك تعليقات

مرحبا بكم في الموقع الإعلامي للمنتدى الثقافي الدولي شكرا لتواصلكم معنا ولمشاركتكم الفاعلة
Welcome to the media site of the International Cultural Forum. Thank you for contacting us and for your active participation