قراءة أدبية نقدية في نص: /أمهات في المرايا/ للشاعرة أ. مها حاج حسن
أَنَا... أُمِّي
أُمِّي... أُمُّهَا
كُلُّنا.. وَكُلُّهُنَّ
لَمْ نَكُنْ أُمَّهَاتٍ حَسْنَاوَاتٍ
وَلَا غَانِيَاتٍ وَلَا بَارِعَاتٍ
كَجَارَتِنَا الجَيْدَاءِ
صَاحِبَةِ الحَظِّ اللَّامِعِ
الَّذِي اسْتَمَدَّتْهُ مِنَ العَرَّافَةِ
حِينَ سَخِرْنَا مِنْهَا.
لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُ طَرِيقًا آخَرَ
غَيْرَ الحُبِّ الفِطْرِيِّ
لِقِلَّةِ تَرْكِيزِنَا عَلَى الدِّينَامِيَّاتِ
مُنْسَجِمَاتٍ مَعَ لَوْمِ الضَّحَايَا
غَيْرَ قَابِلَاتٍ لِلتَّفَاوُضِ.
كُنَّا نَحِيفَاتٍ:
بِطُونًا مُسَطَّحَةً،
نُهودًا هَامِدَةً،
وَأَرْحَامُنَا لَمْ تَحْمِلْ
مُضْغَاتٍ مِنْ مِسْكٍ!
غُرَفُنَا بَارِدَةٌ
نَوَافِذُنَا مُشْرَعَةٌ
نَتَبَادَلُ السُّؤَالَ:
كَيْفَ يَكُونُ الِاحْتِوَاءُ؟
لَمْ نَكُنْ مَجَامِرَ مِنْ عَنْبَرٍ
وَلَا زَنَابِقَ وَلَا سَرْوًا وَلَا بُنْدُقًا
وَهَجٌ مَسْفُوحٌ...
نَنْتَظِرُ اعْتِرَافًا
لَحْظَةَ صِدْقٍ وَبِرٍّ:
(كُنْتِ لَنَا كُلَّ شَيْءٍ)
بَيْنَ أَجَمَةِ الوَهْمِ تَشَظَّيْنَا مَعًا...
إِنَّهُمْ مَوْتَى الآنَ...
يَبْتَلِعُونَ طَعْمَ الخَيْبَةِ
يَفْتَرِشُونَ حَسَرَاتِهِمْ
تَحْتَ هَيَاكِلِهِمْ.
بَقِيتُ وَحْدِي...
عَلَى رَمْلِ الفَضِيلَةِ
بَيْنَ الإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ
أَضِيعُ بِبُطْءٍ
تَأْكُلُنِي التَّفَاصِيلُ.
اِنْهِيَارٌ مُفَاجِئٌ
دُونَ أَيِّ حِسَابٍ
يَتَهَاوَى كُلُّ شَيْءٍ
يَبْقَى الإِخْفَاقُ
عَصِيًّا عَلَى التَّرَاجُعِ!
أَسْتَقْصِي عَنْ نَفْسِي
بَيْنَ جَفَاءِ فِلْذَاتِ الأَكْبَادِ
بَيْنَ كُلِّ دَمْعَةٍ تَحْمِلُ
اِسْمًا مِنْهُمْ.
لَنْ أَبْحَثَ فِي المُعْجِزَاتِ
وَلَا أُجِيدُ تَرْوِيضَ الفِكْرَةِ
عِشْتُ دَوْرًا لَمْ أُتْقِنْهُ
أَنَا لَسْتُ أُمًّا!
جَسَدِي لَمْ يَعْرِفْ
بَرْقَ المَخَاضِ
خَاصِرَتِي لَمْ تَحْمِلْ أُسُودًا
لَبَنِي فَاسِدٌ...
غَيْرُ مُبَارَكٍ!
أَنَا لَسْتُ أُمًّا!
لَمْ أَكُنْ نُورًا حِينَ أُرْهِقْتُ
فُؤَادِي أَكْثَرُ مِمَّا يَحْتَمِلُ
صَارَ... رَمَادًا.
لَمْ أَكُنْ نَهْرًا لِلْعَطَاءِ
كُنْتُ ظِلًّا فِي الخَفَاءِ
أَمْنَحُهُمْ صُكُوكَ الغُفْرَانِ
بِلَا... عِرْفَانٍ.
أَنَا لَسْتُ أُمًّا!
أَنَا صَخْرَةُ (أُولُورُو)
بَعْدَ أَنْ نَفَذَتْ فِيَّ
أَظَافِرُكُمُ الطَّوِيلَةُ.
أَنَا غَيْمَةٌ لَا تُمْطِرُ
حَدِيثُهَا مُؤَجَّلٌ
خَرَجْتُ مِنْ مَلَامِحِكُمْ
لَمْ يَعُدْ صَدْرِي مَأْوَاكُمْ
صِرْتُ دَارًا لِلْغُرَبَاءِ.
كُلُّ مَا أَفْعَلُهُ الآنَ
أَحْرُسُ رُوحِي مِنَ اليَأْسِ
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ...
بَعْدَ أَنْ فَقَدْتُ...
هُرْمُونَ الأُوكسِيتُوسِينِ.
آهٍ... جَدَّتِي
آهٍ... أُمِّي
آهٍ... أَنَا
فِي نِهَايَةِ الدَّوْرَةِ الفَلَكِيَّةِ
حَيْثُ تَلْتَقِي السَّمَاءُ بِالمُحِيطِ
أَخْتَصِرُ الجَوَابَ...
نُبْلُنَا لَمْ يُقَدَّسْ!
تُرَّهَاتٌ... هَذَرٌ... هَذَيَانٌ
وُجُودُنَا لَا يَسْتَحِقُّ الِالْتِفَاتَ!
……………………
بقلم الشاعر أيمن قدره ددانيال…
تبدأ القصيدة بارتداد زمني دائرى (أنا/أمي/جدتي) ينتهي عند النقطة ذاتها، مما يخلق إيقاعاً رتيباً مقصوداً يعكس دائرية الخيبة وتوارث الشقاء، تخلت القصيدة عن الغنائية العالية لصالح "شعرية اليومي والمهمش" والصدمة الوجودية، مستخدمةً لغة مكشوفة وجافة تناسب جفاف المشاعر وعقم الاعتراف، تبرز المفارقة بين "الحب الفطري" وبين النتيجة الكارثية (أنا لست أماً)، مما يحول التضحية من قيمة مقدسة إلى عبء وجودي، تهاجم القصيدة الموروث الثقافي الذي يربط الأمومة بالقداسة المطلقة، وتكشف الوعي الجمعي الزائف الذي يحصر قيمة المرأة في دور "القربان" المستباح، يشير النص إلى صراع الطبقات والوعي الاجتماعي، فالأمهات عجزن عن فهم "ديناميات" العصر (الذكاء الاجتماعي/ المكر البشري)، فبقين في قاع "لوم الضحايا"، إقحام مصطلح علمي مثل "هرمون الأوكسيتوسين" (هرمون الحب والارتباط) ينقل المعاناة من السياق العاطفي المجرد إلى الجفاف البيولوجي والنفسي الحتمي، استدعاء صخرة "أولورو" (المقدسة عند سكان أستراليا الأصليين) يرمز إلى الثبات، القدم، والتعرض لعوامل التعرية والخدش (أظافر الأبناء) دون حراك، إن قصيدة "أمهات في المرايا" هي وثيقة أدبية وفلسفية جريئة تمارس "التشريح النفسي" لمفهوم العطاء غير المشروط، النص لا ينفي الأمومة بيولوجياً، بل ينفيها سيكولوجياً ووجودياً بعد أن تحولت إلى "وظيفة خاسرة" يعلن النص سقوط "صكوك الغفران" التي تمنحها الأمهات للأبناء، ويصل إلى نتيجة حتمية مريرة: إن النبل الذي لا يُسيّج بالوعي والقوة يتحول إلى مغفلة تُورّث، وأن الفضيلة المطلقة قد تنتهي بالصاحب إلى الهذيان والعدمية.

ليست هناك تعليقات
مرحبا بكم في الموقع الإعلامي للمنتدى الثقافي الدولي شكرا لتواصلكم معنا ولمشاركتكم الفاعلة
Welcome to the media site of the International Cultural Forum. Thank you for contacting us and for your active participation