اخر الاخبار

آخر الأخبار

قراءة أدبية نقدية في نص: /استفهامات معلقة/ للشاعرة أ. غفران سويد… بقلم أيمن قدره دانيال | حلب

 



سكونٌ متثاقل

يلفُّ حوانيتِ المدينة

كأنَّ الأزقةَ

تحبسُ أنفاسَها منذ قرن

أنّاتٌ

يتردّد صداها

في صدورٍ

أرهقها الانتظار

صفراءُ

تلك الأوراقُ المندثرة

كوجوهِ الذين

مرّوا

ولم يتركوا سوى ظلٍّ مرتعش

موسيقى صاخبة

تخدشُ الصمتَ قليلًا

هل هناك عرسٌ؟

أم حفلةٌ تنكّرية

تتبدّلُ الوجوهَ

ولا تمسّ الحقيقة؟

استفهاماتٌ مضيئة

معلّقةٌ في السماء

كنجومٍ

نسيتْ طريقَ السقوط

ثرثرةُ فوضى

أعياها الكلام

وتعِبَت من تكرارِ نفسها

لم يكن دربي

موشومًا بإجابات

لكنّي

أدركتُ أخيرًا

أنّي

السؤالُ

الذي يمشي.

............


تأخذنا الشاعرة في نصها "استفهامات معلقة" إلى رحلة مكثفة، تنتقل فيها من جغرافيا المكان الخارجي المأزوم إلى عمق الذات الإنسانية الحائرة، النص ليس مجرد كلمات، بل هو تشكيل بصري ونفسي يرصد الاغتراب بذكاء لافت، تبدأ القصيدة برسم مشهد سينمائي كئيب وعميق: سكون متثاقل / يلف حوانيت المدينة، أنسنة الجماد... الأزقة تحبس أنفاسها، مما يشحن المكان بتوتر درامي يوحي باختناق الحضارة والمدينة، هنا تتلاعب الشاعرة بالمتناقضات لتوليد طاقة شعرية هائلة، " أنّات يتردد صداها" تخلق امتداداً عمودياً للألم البشري، استدعاء اللون الأصفر "أوراق مندثرة كوجوه الذين مرّوا" يعكس الخريف الوجودي والعبور العابر للإنسان الذي لا يترك، "موسيقى صاخبة تخدش الصمت" الموسيقى هنا ليست بهجة، بل أداة اغتراب وفضح للأقنعة حفلة تنكرية تعري زيف الواقع الذي لا يمس الحقيقة، تتحول الحركة في النصف الثاني من الأرض إلى السماء، في لقطة صوفية باهرة، النجوم التي نسيت طريق السقوط هي كناية عن الأسئلة الأبدية المعلقة التي لا تموت، في مقابل ثرثرة فوضى أرضية أعياها التكرار والعبث، تصل القصيدة إلى ذروتها التنويرية في السطور الأخيرة: لم يكن دربي موشومًا بإجابات / لكنّي أدركتُ أخيرًا / أنّي السؤالُ الذي يمشي، هنا يحدث تحول مذهل من البحث عن الإجابة إلى التماهي مع السؤال، الشاعرة لا تبحث عن حل للمتاهة، بل تعلن أن كينونتها الحية هي "السؤال" ذاته، المشي هنا هو حركة الوعي والرفض للركود، والوشم غياب الجاهزية الثقافية، لتصبح الذات الشاعرة هي علامة الاستفهام الوجودية المتحركة وسط عالم متكلس، صاغت الشاعرة نصاً ذكياً باقتصاد لغوي باهر، حوّلت فيه التعب النفسي إلى قيمة معرفية للوعي والقلق الذي يرفض الإجابات الجاهزة ليعيش متعة ومكابدة السؤال، هذه القصيدة ليست مجرد كتابة، بل هي عملية تقطير وجودي باهرة، لقد نجحت الشاعرة ببراعة نادرة في تحويل (القصيدة) من أداة للوصف إلى كائن حي يتنفس القلق، تبدأ من مأزق المدينة لتنتهي بـ الذات، حيث حوّلت الإنسان من باحثٍ عن الحقيقة إلى الحقيقة ذاتها في تجليها الأسمى: أن نكون نحن الأسئلة، الدهشة الحقيقية هنا تكمن في اقتصادها اللغوي الذكي، فلا توجد كلمة زائدة، وكل سطر يمثل ضربة ريشة في لوحة سريالية تنبض بالضوء والعتمة معاً، النجوم التي 'نسيت طريق السقوط' هي إحدى أجمل الاستعارات الحديثة التي رأيتها، كأنها تثبّت القلق البشري كأثر أبدي في السماء، إنها قصيدة تُقرأ بالعين، وتُسمع بالروح، وتُفهم بوعي يدرك أن متعة الحياة ليست في الوصول إلى إجابة، بل في شرف أن نكون 'السؤال الذي يمشي'.

ليست هناك تعليقات

مرحبا بكم في الموقع الإعلامي للمنتدى الثقافي الدولي شكرا لتواصلكم معنا ولمشاركتكم الفاعلة
Welcome to the media site of the International Cultural Forum. Thank you for contacting us and for your active participation