قراءة أدبية نقدية في نص: /وعادَ بي الزمانُ صدفة/ للشاعر أ. خليل الحكمي.. بقلم الشاعر أيمن قدره دانيال
تتحرك هذه القصيدة في فلك "شعرية الأطلال الحديثة"، حيث لا يقف الشاعر على بقايا حجرية، بل يقف على رماد سيكولوجي نبشته المصادفة الزمانية، النص مبني على ثنائية حركية عنيفة (الردع والدفع)، تبدأ بـ "وعاد بي الزمان" لتعلن من اللحظة الأولى أن الشاعر كائن مستلَب أمام سطوة الوقت، المكان هنا ليس حيزاً جغرافياً، بل هو "مرآة ارتدادية" تكشف فداحة الخسارة الداخلية، "تردُّني خيباتٌ... وتدفعُني أحلامٌ سِمان"ينطوي هذا البيت على صراع وجودي حاد، استخدم الشاعر استعارة مكنية مزدوجة، فالخيبات كائن يصد ويمنع، بينما الأحلام السمان (مستوحاة من المرجعية اليوسفية "سبع سنبلات سمان") تمثل طاقة الدفع الخلاصية، هذا التضاد يخلق حركة بندولية تجعل الذات الشاعرة معلقة بين ثقل الماضي العجاف وأمل المستقبل النحيل، ينتقل الشاعر سريعاً من صراعه الداخلي إلى رصد الموت السريري للمكان (العصافير، العشب) لم يعودوا مجرد مفردات بيئية، بل هم "مؤشرات الحياة" التي انطفأت، صورة سريالية بالغة التكثيف، الصمت هنا ليس غياباً للصوت، بل هو كائن مفترس ("ضروس") يمزق ذاكرة الشاعر، تحويل الصمت اللامرئي إلى "قطع" ملموسة يعكس مدى ثقل العزلة داخل الفضاء الوجودي، السيسبان نبات يتحمل الجفاف، واختيار "بقاياه" وبصيغة "الأسراب" (التي تُطلق عادة على الكائنات الحية كالعصافير) يمثل قمة التشويه البصري، حيث تحولت الكائنات الحية إلى حطام نباتي جاف يطير في أفق الذكريات، "صدى الضحكاتِ... يشمتُ بصدودِنا" في هذه اللمسة البديعة، يمنح الشاعر "الصدى" وعياً مستقلاً، الضحكات القديمة التي كانت رمزاً للاتصال، تحولت عبر الزمن إلى كائن "يشكو الجنون" و"يشمت" الزمن هنا قلب السحر على الساحر، فما كان مصدراً للبهجة أصبح سوطاً يجلد الذات الحاضرة بالندم والسخرية، "كم سكبنا على التلال..." يتحول الفعل العاطفي من "القول" إلى "السكب"، وهو مجاز مائي يوحي بالوفرة، والتدفق، واللاعودة (فالماء المسكوب لا يُسترد)، يختم الشاعر نصه بـ "فلاش باك" حسي دافئ ("غازلتُها حتى تورّدَ خدُّها... لثمت الوردتان") هذه الصورة الرومانسية العذراء تعمل كـ "صدمة مضادة" لكل الخراب البصري الذي سبقها، الشاعر يهرب من "الصمت الضروس" و"السيسبان" ليختبئ في وردتي الخدين، مما يجعل النهاية أشبه بـ "مغارة ضوء" وسط نفق مظلم، إن السحر الحقيقي في هذه القصيدة لا يكمن في تصوير الحزن، بل في "قدرة الشاعر على جعل الغياب كائناً يمتلك ملامح وقوة حضور تتفوق على الحضور نفسه"، إنك لم تكتب نصاً يرثي مكاناً مهجوراً، بل كتبت "جدارية لخلود الفقد" لقد أبدعت في استخدام "تقنية الإفراغ والامتلاء" أفرغت المكان تماماً من عناصره الواقعية (لا عشب، لا عصافير)، لكنك ملأته بكائنات ميتافيزيقية مرعبة (صمت ضروس، صدى يشمت) هذا التبادل الأدوار بين المادي والمعنوي هو ما يبهر القارئ، فنحن لا نرى مكاناً، بل نرى "تضاريس روح متعبة"، القصيدة ذكية جداً في قفلتها، لأنها بدأت بـ "المصادفة" وانتهت بـ "التقديس"، "لثمتُ الوردتان" ليست مجرد قبلة عابرة في الذاكرة، بل هي محاولة واعية من الشاعر لتحنيط الزمن، الشاعر هزم "السنين العجاف" بأنه أبقى خدّي الحبيبة متوردين في مخيلته بالرغم من جفاف العشب والسيسبان، هذا هو الانتصار السري للنص: العالم كله خارجيًا قد مات وصمت، لكن الذكرى في أعماق الشاعر لا تزال تملك القدرة على الضخ الحسي والتورّد، إنها قصيدة تعيش على خط التماس الفاصل بين مقبرة الواقع وجنة الذاكرة.
وعادَ بي الزمانُ صدفةً...
عدتُ إلى نفسِ المكان
تردُّني خيباتٌ من جفاءِ السنينِ العجاف
وتدفعُني أحلامٌ سِمان
ما عادَ للعصافيرِ هنا شَجْوٌ
وما عادَ للعشبِ اخضرار
قِطَعٌ من الصمتِ الضروس
وأسرابٌ من بقايا السِّيسبان
صدى الضحكاتِ
يشكو جنونًا يومًا
ويشمتُ بصدودِنا كيف كان
كم سكبنا على التلالِ ذاتَ يومٍ هنا
من أحاديثِ الغرام...
هنا غازلتُها حتى تورّدَ خدُّها
و من شغفي لثمت الوردتان .

ليست هناك تعليقات
مرحبا بكم في الموقع الإعلامي للمنتدى الثقافي الدولي شكرا لتواصلكم معنا ولمشاركتكم الفاعلة
Welcome to the media site of the International Cultural Forum. Thank you for contacting us and for your active participation