الولد المسفوح… بقلم: أ. عامر السعيدي
أُكلِّمُ عنك الحزن أو لا أُكلِّمُ
وهل تسمعُ السِّكينُ ما قالهُ الدَّمُ
كأنَّ نزول الوحي وهو مُصدَّقٌ
كما جاء، للنزف الدِّراميِّ توأمُ
وللنزف في الأعماق نارٌ جريئةٌ
أكابدها وحدي جميعاً وأكتمُ
مصابٌ مصابُ القلب بالناس دائماً
فلا هو شكَّاءٌ ولا الناس ترحمُ
تحمَّلتُ هَمَّ العالمين كأنَّني
أبوهم وهم في زحمةِ السُّوقِ نُوَّمُ
وما هزَّ لي همٌّ على هولهِ يداً
ولكنَّ كسر القلب بالحبِّ مؤلمُ
صدَقتُ وصدَّقتُ الزجاج وعندما
تلَفَّتُ، أدماني الزجاجُ الملثَّمُ
قتيلٌ على ساقين من وهمِهِ مضى
وأصدق ما في الحب هذا التَّوَهُّمُ
أقول لأهلي الطيبين حمامةٌ
من الغيب في صدري تَرُفُّ وأنجمُ
وأهلي صلاةُ الليل، أهلي أهلَّةٌ
وسُكنى، وقرآنٌ كريمٌ وبلسمُ
تُصبِّحُني أمّي بشمسٍ وغيمةٍ
وتُغمِضُ عينيها عليَّ وتحلمُ
ويسأل عن قلبي أبي كل ساعةٍ
وأكتم ما بي عن أبي وهو يعلمُ
أنا الولد المسفوح روحاً وراحةً
فلا تتركوني بارك الله فيكمُ
ذهبت بعيداً في الحبيبات والهوى
فما عاد مما راح دمعٌ ولا دمُ
وللحب أبوابٌ تؤدي جميعها
إلى الموت أو تلقاك فيها جهنمُ
عشقتُ بلادي والبلاد رصاصةٌ
برأسي، وسُكَّانُ البلاد تَسَمُّمُ
وأقنعتُ بالأصحاب ظهري فكلما
تلفَّتَ جرحٌ نازفٌ قال أنتمُ؟!
لقد كان أعدائي أمامي وحينما
تعاطيت حبَّ الناس لم أدرِ مَن هُمُ
وكنت برئياً كالعصافير ليس لي
من الطيران الحُرِّ إلا التَّرنُّمُ
وكان أخي الصيَّادُ في كل رميةٍ
يُسمِّي على جسمي النحيل ويهجمُ
ويأكلني أكل الأفاعي ويحتسي
على جثتي شاياً، وفي العُشِّ يُتَّمُ
متى يقنع الصياد والسهم أنني
على هذه الأغصان صبٌّ مُتيَّمُ
سلامٌ على الإنسان لا في ضميرهِ
رمادٌ، ولا إنسانُهُ فيهِ يُهزَمُ
وقلبي على قلبي، خَلَيٌّ وعاشقٌ
ودامٍ ومقبوضٌ وعافٍ ومُلهِمُ
وفي النفس ما في النفس من كل صاحبٍ
ومن كل محبوبٍ، وفيها تكَرُّمُ
وإني على ما بي من الحزن واقفٌ
وإني على ما بي من الحب مُغرَمُ
تعبتُ ولكني تعلمت جيِّداً
من الناس والدنيا معاً كيف أعلمُ
وعلَّمني قربي من الناس أنني
بعيدٌ، وأنَّ البعد أنقى وأرحمُ
فما أنا في السطرين إلا مُمَزَّقٌ
وما أنا في الشطرين إلا مُقسَّمُ
وصبري على ما ألحق الخلق من أذىً
بحقي، أذىً مما ألاقيهِ أعظمُ
وشعبٌ على أكتافهِ الظُّلمُ جاثمٌ
إذا لم يقف للظُّلم فالشعبُ أظلمُ
وإني أخوض الحرب لا عن مكاسبي
أقاتل، لكني أقاتل عنهمُ
أقاتل كالأبطال عن كل راكعٍ
وعن كل أرضٍ ما لأحزانها فمُ
ويلقاك من علَّمتهُ الحب ناقماً
وأمَّا الذي لا يعرف الحب أنقمُ
ولست على ما قلت في الحب نادماً
أنا العطر فوَّاحٌ، هل العطر يندمُ
أنا البرق في الحالين: نورٌ وظلمةٌ
أُضيءُ، وسرِّي كالسماوات مُبهَمُ
فتحت كتاب الروح للناس كلهم
وقلت أنا يا ناس أمحو وأرسمُ
هنا لا غدٌ يأتي إذا قلت لا غدٌ
ولا الأمس إلا ما أقول وأزعمُ
هنا لا مساءات النساء جميلةٌ
ولا الغدر من عضِّ الصباحات يسأمُ
هنا لا حبيبٌ لا عدوٌّ ولا أخٌ
ولا صاحبٌ، قتلي عليهِ مُحرَّمُ
هنا وطني الكذَّابُ كالموت صادقٌ
إذا صاح بي، صاح الطريقُ المُلغَّمُ
هنا البيت والمنفى، هنا القبر والمدى
هنا كلها الأضداد تبني وتهدِمُ
هنا وحدتي وحدي، فماذا يهمّني
أُكلِّمُ عنك الحزن أو لا أُكلِّمُ؟!


ليست هناك تعليقات
مرحبا بكم في الموقع الإعلامي للمنتدى الثقافي الدولي شكرا لتواصلكم معنا ولمشاركتكم الفاعلة
Welcome to the media site of the International Cultural Forum. Thank you for contacting us and for your active participation