حين تصبح حماية الأرض دفاعاً عن حقوق الإنسان.. بقلم أ. د. نورة بنت زيد مبارك الرشود
إن أخطر ما يواجه البشرية ليس فقط ارتفاع درجات الحرارة أو تراجع الغطاء النباتي، بل اعتياد الإنسان على رؤية الخطر دون أن يتحرّك بالسرعة المطلوبة لمواجهته.
أتذكر وقوفي في العاصمة الأذربيجانية باكو، تلك المدينة التي تجمع بين عبق التاريخ وحداثة المستقبل، عندما خاطبت نخبة من الخبراء وصناع القرار والمدافعين عن حقوق الإنسان. يومها قلت: ” إن تغيُّر المناخ لم يعد مجرد تحدٍّ بيئي، بل أصبح أحد أكبر التحديات التي تواجه حقوق الإنسان في عصرنا، وأن ما نفعله اليوم، أو ما نتقاعس عن فعله، سيحدد شكل الحياة التي سيعيشها أبناؤنا وأحفادنا غداً “. كانت تلك الكلمات نابعة من إيمان عميق بأن البيئة ليست قضية أرقام وإحصاءات فقط، بل قضية مصير إنساني مشترك.
وفي سمرقند، المدينة التي عبَرت إليها الحضارات من كل الجهات، وجدت نفسي أتأمل العلاقة بين التاريخ والبيئة. فبينما كانت القباب الزرقاء تروي قصة قرون طويلة من الإبداع الإنساني، كان السؤال الذي يفرض نفسه: هل سنكون نحن الجيل الذي حافظ على إرث الأرض أم الجيل الذي فرّط فيه؟ هناك تأكدت أن تغير المناخ أصبح تهديداً يتجاوز في خطورته كثيراً من الأزمات التقليدية، وأن التعامل معه لا يمكن أن يتم بمعزل عن مبادئ العدالة وحقوق الإنسان.
ومن بين أجمل الذكريات التي أحملها من تلك المسيرة، مشاركتي في الفعاليات البيئية التي نظمها المركز الوطني لحقوق الإنسان في جمهورية أوزبكستان، والتي تُوجت بتكريمي بوسام حقوقي تقديراً للجهود المبذولة في دعم قضايا حقوق الإنسان والبيئة. غير أن أجمل من الوسام نفسه تلك اللحظات الإنسانية التي اجتمعنا فيها لغرس شتلات صغيرة في الأرض؛ بأيدي كبار الخبراء والقيادات الحقوقية والدولية، وبأيدي ثلاثة أطفال غرسوا معهم بذرة السلام لجيل قادم بأكمله.
قد تبدو الشتلة في لحظة غرسها شيئاً بسيطاً، لكنني يومها رأيت فيها رسالة أكبر من حجمها بكثير. رأيت فيها وعداً للأجيال القادمة، وشهادة إيمان بأن العمل البيئي الحقيقي لا يقاس بما ننجزه في يوم أو مؤتمر، بل بما نتركه من أثر يمتد لعقود طويلة. وربما بعد سنوات، حين تصبح تلك الشتلات أشجاراً وارفة الظلال، وسيتذكر من زرعوها أنهم لم يكونوا يغرسون أشجاراً فحسب، بل كانوا يغرسون أملاً ومسؤولية وشراكة إنسانية في حماية هذه الأرض.

ليست هناك تعليقات
مرحبا بكم في الموقع الإعلامي للمنتدى الثقافي الدولي شكرا لتواصلكم معنا ولمشاركتكم الفاعلة
Welcome to the media site of the International Cultural Forum. Thank you for contacting us and for your active participation